اسماعيل بن محمد القونوي
112
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
من أحد هذين القولين لمناسبة بينهما أما الأول فلأن في المعنى العرفي اعتبر التواري والإخفاء كما في اللغة وأما الثاني فلأن في المعنى العرفي اعتبر الإيهام خلاف ما يخفيه وعمل خلاف ما أوهمه فظهر أن المناسبة بين المعنى العرفي والمعنى الثاني اللغوي أتم منها في المعنى الثاني فلو قدمه بل لو اكتفى به لكان أجرى وأولى قوله في جحره بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة الساكنة نفقة في الأرض منفذا ينفذ منه إلى جوف الأرض ( وضب خادع ) تفنن في البيان حيث بين أولا بالماضي وثانيا باسم الفاعل وهذا من دأب أرباب اللغة ( وخدع ) بفتح وكسر مبالغة خادع والمبالغة في مثل هذا بحسب الكيف ويحتمل الكم ( إذا أوهم الحارش إقباله عليه ثم خرج من باب آخر ) أي صياد الضب خاصة أي أوقع الضب في وهم الحارش بإخراج ذنبه مثلا وهذا نظيران توهم غيرك وصاحبك الخ ثم خرج من باب آخر لتعدد منافذه وهذا إيصال المكروه إلى الصياد لحرمان مطلوبه وهذا الإيهام يتحقق في الحيوان غير مختص بالإنسان ولمحافظة هذه المناسبة اختير أن توهم وفي المعنى العرفي دون أن تشعر وتعلم مثلا ويظن أن المعنى اللغوي والثاني متحد مع العرفي وليس كذلك إذ اللغوي مختص بالضب فالنقل إلى المعنى المجازي نقل عن الراغب خدع الضب استتر في جحره واستعمال ذلك فيه لما اعتقدوا الخ من أنه يعد عقربا يلدغ من يدخل يده في جحره حتى قيل العقرب بواب الضب وحاجبه ولاعتقاد الخديعة فيه قيل أخدع من ضب . قوله : ( وأصله الإخفاء ) يعني أن معنى الخداع لغة ما مر وأصل معناه بحسب الاشتقاق ما ذكر وهو الإخفاء لاعتباره في أكثر معانيه فإن الضب يخفي مخرجه والمنافق يخفي اعتقاده ومقصده وكلام الراغب يوهم أن أصل معناه التلون وما ذكره المصنف أوفق لمعناه اللغوي . قوله : ( ومنه ) أي مما أخذ من الخدع بمعنى الإخفاء ( المخدع للخزانة ) بتثليث الميم وفتح الدال كما نقل عن المصباح وهو ما يخزن فيه المال ويحفظ وإنما سميت الخزانة مخدعا لاختفاء المتاع فيه الخزانة بكسر الخاء ومن لطائف بعض الظرفاء الخزانة لا يفتح وألطف من ذلك ما قاله العلامة الشيرازي في شرح المفتاح العشير بكسر العين الغبار رد لا يفتح فيه العين وما نقل عن الراغب من أن المخدع بيت في بيت كان يأتيه جعله خادعا لمن رام تناول ما فيه يوهم أن المخدع مأخوذ من الخدع بمعنى اللغوي لا من الإخفاء والمصنف لم يرض به فقال ومنه أي من الخدع بمعنى الإخفاء ردا عليه . قوله : ( والأخدعان ) بفتح الهمزة تثنية أخدع ( لعرقين حفيين في العنق ) وهما عرقان في جانبي العنق وشعبة من الوريد ولخفائهما قيل أخدعان فهو مأخوذ من الخدع بمعنى الإخفاء وهو مقتضى كلامه حيث عطفه على المخدع وقيل هما يخفيان ويظهران فلذا توهم قوله : ومنه المخدع بضم الميم وفتح الدال هو كالبيت الصغير يحرز فيه الشيء .